فصل: فصل: لا يصح شرط البراءة من العيوب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

فإن اشترى حلى فضة بوزنه دراهم‏,‏ فوجده معيبا فله رده وليس له أخذ الأرش لإفضائه إلى التفاضل فيما يجب التماثل فيه فإن حدث به عيب عند المشتري‏,‏ فعلى إحدى الروايتين يرده ويرد أرش العيب الحادث عنده يأخذ ثمنه‏,‏ وقال القاضي‏:‏ لا يجوز له رده لإفضائه إلى التفاضل فلا يصح لأن الرد فسخ للعقد ورفع له‏,‏ فلا تبقى المعاوضة وإنما يدفع الأرش عوضا عن العيب الحادث عنده بمنزلة ما لو جنى عليه في ملك صاحبه من غير بيع‏,‏ وكما لو فسخ الحاكم عليه وعلى الرواية الأخرى يفسخ الحاكم البيع ويرد البائع الثمن‏,‏ ويطالب بقيمة الحلى لأنه لم يمكن إهمال العيب ولا أخذ الأرش ولأصحاب الشافعي وجهان كهاتين الروايتين وإن تلف الحلي‏,‏ فإنه يفسخ العقد ويرد قيمته ويسترجع الثمن فإن تلف المبيع لا يمنع جواز الفسخ وعندي أن الحاكم إذا فسخ‏,‏ وجب رد الحلي وأرش نقصه كما قلنا فيما إذا فسخ المشتري على الرواية الأخرى وإنما يرجع إلى قيمته عند تعذر رده بتلف أو عجز‏,‏ وليس في رده ورد أرشه تفاضل لأن المعاوضة زالت بالفسخ فلم يبق له مقابل وإنما هذا الأرش بمنزلة أرش الجناية عليه ولأن قيمته إذا زادت على وزنه أو نقصت عنه‏,‏ أفضى إلى التفاضل لأن قيمته عوض عنه فلا يجوز ذلك إلا أن يأخذ قيمته من غير جنسه‏,‏ ولو باع قفيزا مما فيه الربا بمثله فوجد أحدهما بما أخذه عيبا ينقص قيمته دون كيله لم يملك أخذ أرشه‏,‏ لئلا يفضي إلى التفاضل والحكم فيه على ما ذكرناه في الحلى بالدراهم‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإن ظهر على عيب بعد إعتاقه لها أو موتها في ملكه فله الأرش‏]‏

وجملته أنه إذا زال ملك المشتري عن المبيع بعتق‏,‏ أو وقف أو موت أو قتل‏,‏ أو تعذر الرد لاستيلاد ونحوه قبل علمه بالعيب فله الأرش وبهذا قال أبو حنيفة‏,‏ ومالك والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال في المقتول خاصة‏:‏ لا أرش له لأنه زال ملكه بفعل مضمون‏,‏ أشبه البيع ولنا أنه عيب لم يرض به ولم يستدرك ظلامته فيه‏,‏ فكان له الأرش كما لو أعتقه والبيع لنا فيه منع ومع تسليمه فإنه استدرك ظلامته فيه وأما الهبة‏,‏ فعن أحمد فيها روايتان إحداهما أنها كالبيع لأنه لم ييأس من إمكان الرد لاحتمال رجوع الموهوب إليه والثانية له الأرش وهي أولى ولم يذكر القاضي غيرها لأنه ما استدرك ظلامته فأشبه ما لو وقفه‏,‏ وإمكان الرد ليس بمانع من أخذ الأرش عندنا بدليل ما قبل الهبة وإن أكل الطعام أو لبس الثوب فأتلفه رجع بأرشه وبهذا قال أبو يوسف‏,‏ ومحمد وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يرجع بشيء لأنه أهلك العين فأشبه ما لو قتل العبد ولنا أنه ما استدرك ظلامته ولا رضي بالعيب‏,‏ فلم يسقط حقه من الأرش كما لو تلف بفعل الله تعالى‏.‏

فصل‏:‏

وإن فعل شيئا مما ذكرناه بعد علمه بالعيب فمفهوم كلام الخرقي‏:‏ أنه لا أرش له وهو مذهب أبي حنيفة‏,‏ والشافعي وهو قياس قول القاضي لقوله في من باع المعيب عالما بعيبه‏:‏ ليس له أرش لأنه رضي به معيبا بتصرفه فيه مع علمه بعيبه وقياس المذهب أن له الأرش لأن له إمساك المبيع والمطالبة بأرشه‏,‏ وهذا يتنزل منزلة إمساكه مع العلم بعيبه ولأن البائع لم يوفه ما أوجبه العقد فكان له الرجوع بأرشه كما لو أعتقه قبل علمه بعيبه ولأن الأرش عوض الجزء الفائت بالعيب‏,‏ فلم يسقط بتصرفه فيما سواه كما لو باعه عشرة أقفزة فأقبضه تسعة فتصرف فيها‏.‏

فصل‏:‏

فإن استغل المبيع‏,‏ أو عرضه على البيع أو تصرف فيه تصرفا دالا على الرضا به قبل علمه بالعيب‏,‏ لم يسقط خياره لأن ذلك لا يدل على الرضا به معيبا وإن فعله بعد علمه بعيبه بطل خياره في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر‏:‏ وكان الحسن وشريح‏,‏ وعبد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري‏,‏ وأصحاب الرأي يقولون‏:‏ إذا اشترى سلعة فعرضها على البيع‏,‏ لزمته وهذا قول الشافعي ولا أعلم فيه خلافا فأما الأرش فقال ابن أبي موسى‏:‏ لا يستحقه أيضا وقد ذكرنا أن قياس المذهب استحقاق الأرش قال أحمد‏:‏ أنا أقول‏:‏ إذا استخدم العبد‏,‏ وأراد نقصان العيب فله ذلك فأما إن احتلب اللبن الحادث بعد العقد‏,‏ لم يسقط رده لأن اللبن له فملك استيفاءه من المبيع الذي يريد رده وكذلك إن ركب الدابة لينظر سيرها أو ليسقيها‏,‏ أو ليردها على بائعها وإن استخدم الأمة ليختبرها أو لبس القميص ليعرف قدره لم يسقط خياره لأن ذلك ليس برضا بالمبيع‏,‏ ولهذا لا يسقط به خيار الشرط وإن استخدمها لغير ذلك استخداما كثيرا بطل رده فإن كانت يسيرة لا تختص الملك‏,‏ لم يبطل الخيار قيل لأحمد‏:‏ إن هؤلاء يقولون‏:‏ إذا اشترى عبدا فوجده معيبا فاستخدمه بأن يقول‏:‏ ناولني هذا الثوب يعني بطل خياره فأنكر ذلك وقال‏:‏ من قال هذا‏؟‏ أو من أين أخذوا هذا‏؟‏ ليس هذا برضى حتى يكون شيء يبين وقد نقل عنه في بطلان الخيار بالاستخدام روايتان وكذلك يخرج ها هنا‏.‏

فصل‏:‏

وإن أبق العبد‏,‏ ثم علم عيبه فله أخذ أرشه فإن أخذه ثم قدر على العبد فإن لم يكن معروف الإباق قبل البيع‏,‏ فقد تعيب عند المشتري فهل يملك رده ورد أرش العيب الحادث عنده والأرش الذي أخذه‏؟‏ على روايتين وإن كان آبقا فله رده ورد ما أخذه من الأرش وأخذ ثمنه وقال الثوري والشافعي‏:‏ ليس للمشتري أخذ أرشه‏,‏ سواء قدر على رده أو عجز عنه إلا أن يهلك لأنه لم ييأس من رده فهو كما لو باعه ولنا‏,‏ أنه معيب لم يرض به ولم يستدرك ظلامته فيه فكان له أرشه‏,‏ كما لو أعتقه وفي البيع استدرك ظلامته بخلاف مسألتنا‏.‏

فصل‏:‏

وإذا اشترى عبدا فأعتقه‏,‏ ثم علم به عيبا فأخذ أرشه فهو له وعن أحمد رواية أخرى أنه يجعله في الرقاب وهو قول الشافعي لأنه من جملة الرقبة التي جعلها الله‏,‏ فلا يرجع إليه شيء من بدلها ولنا أن العتق إنما صادف الرقبة المعيبة والجزء الذي أخذ بدله ما تناوله عتق‏,‏ ولا كان موجودا ولأن الأرش ليس بدلا عن العبد إنما هو جزء من الثمن‏,‏ جعل مقابلا للجزء الفائت فلما لم يحصل ذلك الجزء من المبيع رجع بقدره من الثمن‏,‏ فكأنه لم يصح العقد فيه ولهذا رجع بقدره من الثمن لا من قيمة العبد وكلام أحمد‏,‏ في الرواية الأخرى يحمل على استحباب ذلك لا على وجوبه قال القاضي‏:‏ إنما الروايتان فيما إذا أعتقه عن كفارته لأنه إذا أعتقه عن الكفارة‏,‏ لا يجوز أن يرجع إليه بشيء من بدلها كالمكاتب إذا أدى من كتابته شيئا ولنا أنه أرش عبد أعتقه‏,‏ فكان له كما لو تبرع بعتقه‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏فإن ظهر على عيب يمكن حدوثه قبل الشراء أو بعده‏,‏ حلف المشتري وكان له الرد أو الأرش‏]‏

وجملة ذلك أن المتبايعين إذا اختلفا في العيب‏,‏ هل كان في المبيع قبل العقد أو حدث عند المشتري‏؟‏ لم يخل من قسمين أحدهما أن لا يحتمل إلا قول أحدهما‏,‏ كالإصبع الزائدة والشجة المندملة التي لا يمكن حدوث مثلها‏,‏ والجرح الطري الذي لا يحتمل كونه قديما فالقول قول من يدعي ذلك بغير يمين لأننا نعلم صدقه وكذب خصمه‏,‏ فلا حاجة إلى استحلافه والثاني أن يحتمل قول كل واحد منهما كالخرق في الثوب والرفو‏,‏ ونحوهما ففيه روايتان إحداهما القول قول المشتري‏,‏ فيحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب أو أنه ما حدث عنده ويكون له الخيار لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق ما يقابله من الثمن‏,‏ ولزوم العقد في حقه فكان القول قول من ينفي ذلك كما لو اختلفا في قبض المبيع والثانية‏,‏ القول قول البائع مع يمينه فيحلف على حسب جوابه إن أجاب إنني بعته بريئا من العيب‏,‏ حلف على ذلك وإن أجاب بأنه لا يستحق على ما يدعيه من الرد‏,‏ حلف على ذلك ويمينه على البت لا على نفي العلم لأن الأيمان كلها على البت لا على نفي فعل الغير وبهذا قال أبو حنيفة‏,‏ والشافعي لأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد ولأن المشتري يدعي عليه استحقاق فسخ البيع‏,‏ وهو ينكره والقول قول المنكر‏.‏

فصل‏:‏

وإذا باع الوكيل ثم ظهر المشتري على عيب كان به‏,‏ فله رده على الموكل لأن المبيع يرد بالعيب على من كان له فإن كان العيب مما يمكن حدوثه‏,‏ فأقر به الوكيل وأنكره الموكل فقال أبو الخطاب‏:‏ يقبل إقراره على موكله بالعيب لأنه أمر يستحق به الرد‏,‏ فيقبل إقرار الوكيل به على موكله كخيار الشرط وقال أصحاب أبي حنيفة والشافعي‏:‏ لا يقبل إقرار الوكيل بذلك وهو أصح لأنه إقرار على الغير فلم يقبل‏,‏ كالأجنبي فإذا رده المشتري على الوكيل لم يملك الوكيل رده على الموكل لأنه رده بإقراره‏,‏ وهو غير مقبول على غيره ذكره القاضي فإن أنكره الوكيل فتوجهت اليمين عليه فنكل عنها فرد عليه بنكوله‏,‏ فهل له رده على الموكل‏؟‏ على وجهين أحدهما ليس له رده لأن ذلك يجري مجرى إقراره والثاني له رده لأنه يرجع إليه بغير اختياره‏,‏ أشبه ما لو قامت به بينة‏.‏

فصل‏:‏

ولو اشترى جارية على أنها بكر ثم قال المشتري‏:‏ إنما هي ثيب أريت النساء الثقات ويقبل قول امرأة ثقة فإن وطئها المشتري‏,‏ وقال‏:‏ ما أصبتها بكرا خرج فيه وجهان بناء على الروايتين فيما إذا اختلفا في العيب الحادث‏.‏

فصل‏:‏

وإن رد المشتري السلعة بعيب فيها فأنكر البائع كونها سلعته‏,‏ فالقول قول البائع مع يمينه وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي ونحوه قال الأوزاعي فإنه قال في من صرف دراهم بدنانير‏,‏ ثم رجع بدرهم فقال الصيرفي‏:‏ ليس هذا درهمي يحلف الصيرفي‏:‏ بالله لقد وفيتكه ويبرأ لأن البائع منكر كون هذه سلعته‏,‏ ومنكر لاستحقاق الفسخ والقول قول المنكر فأما إن جاء ليرد السلعة بخيار فأنكر البائع أنها سلعته‏,‏ فحكى ابن المنذر عن أحمد أن القول قول المشتري وهو قول الثوري وإسحاق‏,‏ وأصحاب الرأي لأنهما اتفقا على استحقاق فسخ العقد والرد بالعيب بخلافه‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإذا اشترى شيئا مأكوله في جوفه‏,‏ فكسره فوجده فاسدا فإن لم يكن لمكسوره قيمة‏,‏ كبيض الدجاج رجع بالثمن على البائع وإن كان لمكسوره قيمة‏,‏ كجوز الهند فهو مخير في الرد وأخذ الثمن وعليه أرش الكسر‏,‏ أو يأخذ ما بين صحيحه ومعيبه‏]‏

وجملة ذلك أنه إذا اشترى ما لا يطلع على عيبه إلا بكسره كالبطيخ‏,‏ والرمان والجوز والبيض‏,‏ فكسره فبان عيبه ففيه روايتان إحداهما لا يرجع على البائع بشيء‏,‏ وهو مذهب مالك لأنه ليس من البائع تدليس ولا تفريط لعدم معرفته بعيبه وكونه لا يمكنه الوقوف عليه إلا بكسره‏,‏ فجرى مجرى البراءة من العيوب والثانية يرجع عليه وهي ظاهر المذهب وقول أبي حنيفة والشافعي لأن عقد البيع اقتضى السلامة من عيب لم يطلع عليه المشتري‏,‏ فإذا بان معيبا ثبت له الخيار ولأن البائع إنما يستحق ثمن المعيب‏,‏ دون الصحيح لأنه لم يملكه صحيحا فلا معنى لإيجاب الثمن كله وكونه لم يفرط لا يقتضي أن يجب له ثمن ما لم يسلمه بدليل العيب الذي لم يعلمه في العبد إذا ثبت هذا‏,‏ فإن المبيع إن كان مما لا قيمة له مكسورا كبيض الدجاج الفاسد والرمان الأسود‏,‏ والجوز الخرب والبطيخ التالف رجع بالثمن كله لأن هذا تبين به فساد العقد من أصله لكونه وقع على ما لا نفع فيه‏,‏ ولا يصح بيع ما لا نفع فيه كالحشرات والميتات وليس عليه أن يرد المبيع إلى البائع لأنه لا فائدة فيه الثاني‏,‏ أن يكون مما لمعيبه قيمة كجوز الهند وبيض النعام‏,‏ والبطيخ الذي فيه نفع ونحوه فإذا كسره نظرت‏,‏ فإن كان كسرا لا يمكن استعلام المبيع بدونه فالمشتري مخير بين رده ورد أرش الكسر وأخذ الثمن وبين أخذ أرش عيبه‏,‏ وهو قسط ما بين صحيحه ومعيبه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي‏:‏ عندي لا أرش عليه لكسره لأن ذلك حصل بطريق استعلام العيب والبائع سلطه عليه‏,‏ حيث علم أنه لا تعلم له صحته من فساده بغير ذلك وهذا قول الشافعي ووجه قول الخرقي أنه نقص لم يمنع الرد فلزم رد أرشه كلبن المصراة إذا حلبها‏,‏ والبكر إذا وطئها وبهذين الأصلين يبطل ما ذكره فإنه لاستعلام العيب‏,‏ والبائع سلطه عليه بل ها هنا أولى لأنه تدليس من البائع والتصرية حصلت بتدليسه‏,‏ وإن كان كسرا يمكن استعلام المبيع بدونه إلا أنه لا يتلف المبيع بالكلية فالحكم فيه كالذي قبله في قول الخرقي وهو قول القاضي أيضا والمشتري مخير بين رده وأرش الكسر وأخذ الثمن‏,‏ بين أخذ أرش العيب وهو إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية ليس له رده وله أرش العيب وهذا قول أبي حنيفة والشافعي‏,‏ وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم وإن كسره كسرا لا يبقى له قيمة فله أرش العيب لا غير لأنه أتلفه‏,‏ وقدر أرش العيب قسط ما بين الصحيح والمعيب من الثمن فيقوم المبيع صحيحا ثم يقوم معيبا غير مكسور‏,‏ فيكون للمشتري قدر ما بينهما من الثمن على ما مضى شرحه‏.‏

فصل‏:‏

ولو اشترى ثوبا فنشره فوجده معيبا فإن كان مما لا ينقصه النشر رده‏,‏ وإن كان ينقصه النشر كالهسنجاني الذي يطوي طاقين ملتصقين‏,‏ جرى ذلك مجرى جوز الهند على التفصيل المذكور فيما إذا لم يزد على ما يحصل به استعلام المبيع‏,‏ أو زاد كنشر من لا يعرف وإن أحب أخذ أرشه فله ذلك بكل حال‏.‏

فصل‏:‏

وإذا اشترى ثوبًا فصبغه‏,‏ ثم ظهر على عيب فله أرشه لا غير وبهذا قال أبو حنيفة وعن أحمد‏,‏ أن له رده وأخذ زيادته بالصبغ لأنها زيادة فلا تمنع الرد كالسمن والكسب والأول أولى لأن هذا معاوضة‏,‏ فلا يجبر البائع على قبولها كسائر المعاوضات وفارق السمن والكسب فإنه لا يأخذ عن السمن عوضا‏,‏ والكسب للمشتري لا يرده ولا يعاوض عنه وإن قال البائع‏:‏ أنا آخذه وأعطى قيمة الصبغ لم يلزم المشتري ذلك وقال الشافعي‏:‏ ليس للمشتري إلا رده لأنه أمكنه رده‏,‏ فلم يملك أخذ الأرش كما لو سمن عبده أو كسب ولنا‏,‏ أنه لا يمكنه رده إلا برد شيء من ماله معه فلم يسقط حقه من الأرش بامتناعه من رده‏,‏ كما لو تعيب عنده فطلب البائع أخذه مع أرش العيب الحادث والأصل لا نسلمه فإنه يستحق أخذ الأرش إذا أراده بكل حال‏.‏

فصل‏:‏

يصح بيع العبد الجاني‏,‏ سواء كانت الجناية عمدا أو خطأ على النفس وما دونها‏,‏ موجبة للقصاص أو غير موجبة له وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر‏:‏ لا يصح بيعه لأنه تعلق برقبته حق آدمي‏,‏ فمنع صحة بيعه كالرهن بل حق الجناية آكد لأنها تقدم على حق المرتهن ولنا‏,‏ أنه حق غير مستقر في الجاني يملك أداءه من غيره فلم يمنع البيع‏,‏ كالزكاة أو حق يثبت بغير رضا سيده فلم يمنع بيعه‏,‏ كالدين في ذمته أو تصرف في الجاني فجاز‏,‏ كالعتق وإن كان الحق قصاصا فهو ترجي سلامته ويخشى تلفه فأشبه المريض أما الرهن‏,‏ فإن الحق متعين فيه لا يملك سيده إبداله ثبت الحق فيه برضاه‏,‏ وثيقة للدين فلو أبطله بالبيع سقط حق الوثيقة الذي التزمه برضاه واختياره إذا ثبت هذا فمتى باعه‏,‏ وكانت الجناية موجبة للمال أو القود فعفي عنه إلى مال‏,‏ فعلى السيد فداؤه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته ويزول الحق عن رقبة العبد ببيعه لأن للسيد الخيرة‏,‏ بين تسليمه وفدائه فإن باعه تعين عليه فداؤه لإخراج العبد من ملكه ولا خيار للمشتري لعدم الضرر عليه إذ الرجوع على غيره هذا إذا كان السيد موسرا وقال بعض أصحاب الشافعي‏:‏ لا يلزم السيد فداؤه لأن أكثر ما فيه أنه التزم فداءه‏,‏ فلا يلزمه ذلك كما لو قال الراهن‏:‏ أنا أقضى الدين من الرهن ولنا أنه زال ملكه عن الجاني‏,‏ فلزمه فداؤه كما لو قتله بخلاف الرهن‏,‏ وبهذا قال أبو حنيفة وإن كان البائع معسرا لم يسقط حق المجني عليه من رقبة الجاني لأن البائع إنما يملك نقل حقه عن رقبته بفدائه أو ما يقوم مقامه ولا يحصل ذلك في ذمة المعسر‏,‏ فيبقى الحق في رقبته بحاله مقدما على حق المشتري وللمشتري خيار الفسخ إن كان غير عالم ببقاء الحق في رقبته فإن فسخ رجع بالثمن‏,‏ وإن لم يفسخ وكانت الجناية مستوعبة لرقبة العبد فأخذ بها‏,‏ رجع المشتري بالثمن أيضا لأن أرش مثل هذا جميع ثمنه وإن كانت غير مستوعبة لرقبته‏,‏ رجع بقدر أرشه وإن كان عالما بعيبه راضيا بتعلق الحق به لم يرجع بشيء لأنه اشترى معيبا عالما بعيبه فإن اختار المشتري فداءه‏,‏ فله ذلك والبيع بحاله لأنه يقوم مقام البائع في الخيرة بين تسليمه وفدائه وحكمه في الرجوع بما فداه به على البائع حكم قضاء الدين عنه فإن كانت الجناية موجبة للقصاص‏,‏ فللمشتري الخيار بين الرد وأخذ الأرش فإن اقتص منه تعين الأرش‏,‏ وهو قسط قيمته ما بينه جانيا وغير جان ولا يبطل البيع من أصله وبهذا قال أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة والشافعي‏:‏ يرجع بجميع الثمن لأن تلفه كان بمعنى استحق عند البائع‏,‏ فجرى مجرى إتلافه إياه ولنا أنه تلف عند المشتري بالعيب الذي كان فيه فلم يوجب الرجوع بجميع الثمن‏,‏ كما لو كان مريضا فمات بدائه أو مرتدا‏,‏ فقتل بردته وما ذكروه منتقض بما ذكرناه ولا يصح قياسهم على إتلافه لأنه لم يتلفه‏,‏ فما اشتركا في المقتضى ولو كانت الجناية موجبة لقطع يده فقطعت عند المشتري فقد تعيب في يده لأن استحقاق القطع دون حقيقته‏,‏ فهل يمنع ذلك رده بعيبه‏؟‏ على روايتين ومتى اشتراه عالما بعيبه لم يكن له رده ولا أرش كسائر المعيبات‏,‏ وهذا قول الشافعي‏.‏

فصل‏:‏

وحكم المرتد حكم القاتل في صحة بيعه وسائر أحكامه المذكورة فيه‏,‏ فإن قتله غير متحتم لاحتمال رجوعه إلى الإسلام وكذلك القاتل في المحاربة إذا تاب قبل القدرة عليه فإن لم يتب حتى قدر عليه فقال أبو الخطاب‏:‏ هو كالقاتل في غير محاربة لأنه عبد قن‏,‏ يصح إعتاقه ويملك استخدامه فصح بيعه‏,‏ كغير القاتل ولأنه يمكنه الانتفاع به إلى حال قتله ويعتقه فينجر به ولاء أولاده‏,‏ فجاز بيعه كالمريض المأيوس من برئه وقال القاضي‏:‏ لا يصح بيعه لأنه تحتم قتله وإتلافه وإذهاب ماليته وحرم إبقاؤه‏,‏ فصار بمنزلة ما لا نفع فيه من الحشرات والميتات وهذه المنفعة اليسيرة مفضية به إلى قتله لا يتمهد بها محلا للبيع كالمنفعة الحاصلة من الميتة لسد بثق‏,‏ أو إطعام كلب والأول أصح فإنه كان محلا للبيع‏,‏ والأصل بقاء ذلك فيه وانحتام إتلافه لا يجعله تالفا بدليل أن أحكام الحياة من التكليف وغيره‏,‏ لا تسقط عنه ولا تثبت أحكام الموتى له من إرث ماله‏,‏ ونفوذ وصيته وغيرها ولأن خروجه عن حكم الأصل لا يثبت إلا بدليل‏,‏ ولا نص في هذا ولا إجماع ولا يصح قياسه على الحشرات والميتات لأن تلك لم تكن فيها منفعة فيما مضى‏,‏ ولا في الحال وعلى أن هذا التحتم يمكن زواله لزوال ما ثبت به من الرجوع عن الإقرار وإن كان ثبت به‏,‏ أو رجوع البينة ولو لم يمكن زواله فأكثر ما فيه تحقق تلفه‏,‏ وذلك يجعله كالمريض المأيوس من برئه وبيعه جائز‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع‏,‏ إلا أن يشترطه المبتاع إذا كان قصده للعبد لا للمال ‏]‏

وجملة ذلك أن السيد إذا باع عبده‏,‏ أو جاريته وله مال ملكه إياه مولاه أو خصه به‏,‏ فهو للبائع لما روى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال‏:‏ ‏(‏من باع عبدًا وله مال‏,‏ فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع‏)‏ رواه مسلم وأبو داود‏,‏ وابن ماجه ولأن العبد وماله للبائع فإذا باع العبد اختص البيع به دون غيره كما لو كان له عبدان فباع أحدهما وإن اشترطه المبتاع كان له للخبر‏,‏ وروى ذلك نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقضى به شريح‏,‏ وبه قال عطاء وطاوس ومالك‏,‏ والشافعي وإسحاق قال الخرقي‏:‏ إذا كان قصده للعبد لا للمال هذا منصوص أحمد وهو قول الشافعي‏,‏ وأبي ثور وعثمان البتي ومعناه أنه لا يقصد بالبيع شراء مال العبد‏,‏ إنما يقصد بقاء المال لعبده وإقراره في يده فمتى كان كذلك‏,‏ صح اشتراطه ودخل في البيع به سواء كان المال معلوما أو مجهولا‏,‏ من جنس الثمن أو من غيره عينا كان أو دينا وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر قال البتي‏:‏ إذا باع عبدا بألف درهم‏,‏ ومعه ألف درهم فالبيع جائز إذا كانت رغبة المبتاع في العبد لا في الدراهم وذلك لأنه دخل في البيع تبعا غير مقصود فأشبه أساسات الحيطان‏,‏ والتمويه بالذهب في السقوف فأما إن كان المال مقصودا بالشراء جاز اشتراطه إذا وجدت فيه شرائط البيع‏,‏ من العلم به وأن لا يكون بينه وبين الثمن ربا كما يعتبر ذلك في العينين المبيعتين لأنه مبيع مقصود‏,‏ فأشبه ما لو ضم إلى العبد عينا أخرى وباعهما وقال القاضي‏:‏ هذا ينبني على كون العبد يملك أو لا يملك فإن قلنا‏:‏ لا يملك فاشترط المشتري ماله صار مبيعا معه فاشترط فيه ما يشترط في سائر المبيعات وهذا مذهب أبي حنيفة وإن قلنا‏:‏ يملك احتملت فيه الجهالة وغيرها مما ذكرنا من قبل لأنه تبع في البيع لا أصل‏,‏ فأشبه طي الآبار وهذا خلاف نص أحمد وقول الخرقي لأنهما جعلا الشرط الذي يختلف الحكم به قصد المشتري دون غيره وهو أصح - إن شاء الله تعالى - واحتمال الجهالة فيه لكونه غير مقصود‏,‏ كما ذكرنا كاللبن في ضرع الشاة المبيعة والحمل في بطنها‏,‏ والصوف على ظهرها وأشباه ذلك فإنه مبيع‏,‏ ويحتمل فيه الجهالة وغيرها لما ذكرنا وقد قيل‏:‏ إن المال ليس بمبيع ها هنا وإنما استبقاء المشتري على ملك العبد لا يزول عنه إلى البائع وهو قريب من الأول‏.‏

فصل‏:‏

وإذا اشترى عبدا‏,‏ واشترط ماله ثم رد العبد بعيب أو خيار أو إقالة رد ماله معه وقال داود‏:‏ يرد العبد دون ماله لأن ماله لم يدخل في البيع‏,‏ فأشبه النماء الحادث عنده ولنا أنه عين مال أخذها المشتري لا تحصل بدون البيع فيردها بالفسخ‏,‏ كالعبد ولأن العبد إذا كان ذا مال كانت قيمته أكثر فأخذ ماله ينقص قيمته‏,‏ فلم يملك رده حتى يدفع ما يزيل نقصه فإن تلف ماله ثم أراد رده فهو بمنزلة العيب الحادث عند المشتري‏,‏ هل يمنع الرد‏؟‏ على روايتين فإن قلنا‏:‏ يرده فعليه قيمة ما أتلف قال أحمد‏:‏ في رجل اشترى أمة معها قناع فاشترطه‏,‏ وظهر على عيب وقد تلف القناع‏:‏ غرم قيمته بحصته من الثمن‏.‏

فصل‏:‏

وما كان على العبد أو الجارية من الحلي فهو بمنزلة ماله‏,‏ على ما ذكرنا فأما الثياب فقال أحمد‏:‏ ما كان يلبسه عند البائع فهو للمشتري وإن كانت ثيابا يلبسها فوق ثيابه‏,‏ أو شيئا يزينه به فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع يعني أن الثياب التي يلبسها عادة للخدمة والبذلة‏,‏ تدخل في البيع دون الثياب التي يتجمل بها لأن ثياب البذلة جرت العادة ببيعها معه ولأنها تتعلق بها مصلحته وحاجته‏,‏ إذ لا غناء له عنها فجرت مجرى مفاتيح الدار بخلاف ثياب الجمال‏,‏ فإنها زيادة على العادة ولا تتعلق بها حاجة العبد وإنما يلبسها إياه لينفقه بها‏,‏ وهذه حاجة السيد لا حاجة العبد ولم تجر العادة بالمسامحة فيها‏,‏ فجرت مجرى الستور في الدار والدابة التي يركبه عليها مع دخولها في الخبر وبقائها على الأصل وقال ابن عمر‏:‏ من باع وليدة‏,‏ زينها بثياب فللذي اشتراها ما عليها إلا أن يشترطه الذي باعها وبه قال الحسن‏,‏ والنخعي ولنا الخبر الذي رواه ابن عمر ولأن الثياب لم يتناولها لفظ البيع ولا جرت العادة ببيعها معه‏,‏ أشبه سائر مال البائع ولأنه زينة للمبيع فأشبه ما لو زين الدار ببساط أو ستر‏.‏

فصل‏:‏

ولا يملك العبد شيئا إذا لم يملكه سيده في قول عامة أهل العلم وقال أهل الظاهر‏:‏ يملك لدخوله في عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خلق لكم ما في الأرض جميعًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 29‏]‏‏.‏ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -‏:‏ ‏(‏من باع عبدا وله مال‏)‏ فأضاف المال إليه فاللام التمليك ولنا‏,‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكا لا يقدر على شيء‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 75‏]‏‏.‏ ولأن سيده يملك عينه ومنافعه فما حصل بذلك يجب أن يكون لسيده كبهيمته فأما إن ملكه سيده شيئا‏,‏ ففيه روايتان إحداهما لا يملكه وهو ظاهر قول الخرقي فإنه قال‏:‏ والسيد يزكي عما في يد عبده لأنه مالكه وقال‏:‏ والعبد لا يرث ولا مال له فيورث عنه وهو اختيار أبي بكر‏,‏ وقول أبي حنيفة والثوري وإسحاق‏,‏ والشافعي في الجديد لأنه مملوك فلم يملك كالبهيمة والثاني‏,‏ يملك وهي أصح عندي وهو قول مالك والشافعي في القديم للآية والخبر ولأنه آدمي حي‏,‏ فملك كالحر ولأنه يملك في النكاح فملك في المال كالحر‏,‏ ولأنه يصح الإقرار له فأشبه الحر وما ذكروه تعليل بالمانع‏,‏ ولا يثبت اعتباره إلا أن يوجد المقتضي في الأصل ولم يوجد في البهيمة ما يقتضي ثبوت الملك لها وإنما انتفى ملكها لعدم المقتضي له‏,‏ لا لكونها مملوكة وكونها مملوكة عديم الأثر فإن سائر البهائم التي ليست مملوكة من الصيود والوحوش‏,‏ لا تملك وكذلك الجمادات وإذا بطل كون ما ذكروه مانعا‏,‏ وقد تحقق المقتضى لزم ثبوت حكمه والله أعلم‏.‏

/// 3 ///

مسألة‏:‏

قال ومن باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به وجملة ذلك أن من باع سلعة بثمن مؤجل‏,‏ ثم اشتراها بأقل منه نقدا لم يجز في قول أكثر أهل العلم روى ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن‏,‏ وابن سيرين والشعبي والنخعي وبه قال أبو الزناد‏,‏ وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي وأجازه الشافعي لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها كما لو باعها بمثل ثمنها ولنا‏,‏ ما روى غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت‏:‏ دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها فقالت أم ولد زيد بن أرقم‏:‏ إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها‏:‏ بئس ما شريت‏,‏ وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم‏:‏ أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلا أن يتوب رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجرى مجرى روايتها ذلك عنه‏,‏ ولأن ذلك ذريعة إلى الربا فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل معلوم وكذلك روى عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال‏:‏ أرى مائة بخمسين بينهما حريرة يعنى خرقة حرير جعلاها في بيعهما والذرائع معتبرة لما قدمناه فأما بيعها بمثل الثمن أو أكثر‏,‏ فيجوز لأنه لا يكون ذريعة وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع فإن نقصت مثل إن هزل العبد‏,‏ أو نسي صناعة أو تخرق الثوب أو بلى جاز له شراؤها بما شاء لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا وإن نقص سعرها‏,‏ أو زاد لذلك أو لمعنى حدث فيها لم يجز بيعها بأقل من ثمنها كما لو كانت بحالها نص أحمد على هذا كله‏.‏

فصل‏:‏

وإن اشتراها بعرض‏,‏ أو كان بيعها الأول بعرض فاشتراها بنقد جاز وبه قال أبو حنيفة ولا نعلم فيه خلافا لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا ولا ربا بين الأثمان والعروض فأما إن باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر مثل أن يبيعها بمائتي درهم‏,‏ ثم اشتراها بعشرة دنانير فقال أصحابنا‏:‏ يجوز لأنهما جنسان لا يحرم التفاضل بينهما فجاز كما لو اشتراها بعرض‏,‏ أو بمثل الثمن وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يجوز استحسانا لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية ولأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول وهذا أصح - إن شاء الله تعالى -‏.‏

فصل‏:‏

وهذه المسألة تسمى مسألة العينة قال الشاعر‏:‏

أندان أم نعتان أم ينبري لنا ** فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه

فقوله‏:‏ نعتان أي نشتري عينة مثلما وصفنا وقد روى أبو داود‏,‏ بإسناده عن ابن عمر قال‏:‏ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ‏(‏إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم‏)‏ وهذا وعيد يدل على التحريم وقد روى عن أحمد أنه قال العينة أن يكون عند الرجل المتاع‏,‏ فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس وقال‏:‏ أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد وقال ابن عقيل إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا فإن الغالب أن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة وللبيع بنسيئة جميعا‏,‏ لكن البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقا ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة غيره ‏.‏

فصل‏:‏

وإن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة‏,‏ فقال أحمد في رواية حرب‏:‏ لا يجوز ذلك إلا أن يغير السلعة لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا فأشبه مسألة العينة فإن اشتراها بنقد آخر‏,‏ أو بسلعة أخرى أو بأقل من ثمنها نسيئة جاز لما ذكرناه في مسألة العينة ويحتمل أن يجوز له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه‏,‏ إلا أن يكون ذلك عن مواطأة أو حيلة فلا يجوز وإن وقع ذلك اتفاقا من غير قصد‏,‏ جاز لأن الأصل حل البيع وإنما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه وليس هذا في معناه‏,‏ ولأن التوسل بذلك أكثر فلا يلتحق به ما دونه والله أعلم ‏.‏

فصل‏:‏

وفي كل موضع قلنا‏:‏ لا يجوز له أن يشتري لا يجوز ذلك لوكيله لأنه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس‏,‏ سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما لأنه غير البائع ويشتري لنفسه‏,‏ فأشبه الأجنبي

فصل‏:‏

ومن باع طعاما إلى أجل فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعاما قبل قبضه لم يجز روى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن المسيب‏,‏ وطاوس وبه قال مالك وإسحاق وأجازه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلى بن حسين والشافعي وابن المنذر‏,‏ وأصحاب الرأي قال علي بن حسين‏:‏ إذا لم يكن لك في ذلك رأي وروى عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه قال‏:‏ بعت تمرا من التمارين كل سبعة آصع بدرهم‏,‏ ثم وجدت عند رجل منهم تمرا يبيعه أربعة آصع بدرهم فاشتريت منه فسألت عكرمة عن ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ لا بأس‏,‏ أخذت أنقص مما بعت ثم سألت سعيد بن المسيب عن ذلك وأخبرته بقول عكرمة فقال‏:‏ كذب قال عبد الله بن عباس ما بعت من شيء مما يكال بمكيال‏,‏ فلا تأخذ منه شيئا مما يكال بمكيال إلا ورقا أو ذهبا فإذا أخذت ورقك‏,‏ فابتع ممن شئت منه أو من غيره فرجعت فإذا عكرمة قد طلبني‏,‏ فقال‏:‏ الذي قلت لك هو حلال هو حرام فقلت لسعيد بن المسيب‏:‏ إن فضل لي عنده فضل‏؟‏ قال‏:‏ فأعطه أنت الكسر وخذ منه الدرهم ووجه ذلك أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة‏,‏ فحرم كمسألة العينة فعلى هذا كل شيئين حرم النساء فيهما‏,‏ لا يجوز أن يؤخذ أحدهما عوضا عن الآخر قبل قبض ثمنه إذا كان البيع نساء نص أحمد على ما يدل على هذا وكذلك قال سعيد بن المسيب فيما حكينا عنه والذي يقوي عندي جواز ذلك إذا لم يفعله حيلة ولا قصد ذلك في ابتداء العقد‏,‏ كما قال على بن الحسين فيما يروى عنه عبد الله بن زيد قال قدمت على علي بن الحسين فقلت له‏:‏ إني أجذ نخلي‏,‏ وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل فيقدمون بالحنطة وقد حل ذلك الأجل‏,‏ فيوقفونها بالسوق فأبتاع منهم وأقاصهم قال‏:‏ لا بأس بذلك إذا لم يكن منك على رأي وذلك لأنه اشترى الطعام بالدراهم التي في الذمة بعد انبرام العقد أول لزومه‏,‏ فصح كما لو كان المبيع الأول حيوانا أو ثيابا ولما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا‏,‏ فإنه لم يأخذ بالثمن طعاما ولكن اشترى من المشتري طعاما بدراهم وسلمها إليه‏,‏ ثم أخذها منه وفاء أو لم يسلمها إليه لكن قاصه بها‏,‏ كما في حديث على بن الحسين‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ومن باع حيوانا أو غيره بالبراءة من كل عيب لم يبرأ‏,‏ سواء علم به البائع أو لم يعلم اختلفت الرواية عن أحمد في البراءة من العيوب فروي عنه‏:‏ أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب وهو قول الشافعي وقال إبراهيم والحكم وحماد‏:‏ لا يبرأ إلا مما سمى وقال شريح‏:‏ لا يبرأ إلا مما أراه أو وضع يده عليه وروي نحو ذلك عن عطاء‏,‏ والحسن وإسحاق لأنه مرفق في البيع لا يثبت إلا بالشرط‏,‏ فلا يثبت مع الجهل كالخيار والرواية الثانية‏:‏ أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من عيب علمه‏,‏ ويروى ذلك عن عثمان ونحوه عن زيد بن ثابت وهو قول مالك وقول الشافعي في الحيوان خاصة لما روي أن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة من العيب بثمانمائة درهم فأصاب به زيد عيبا‏,‏ فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله فترافعا إلى عثمان‏,‏ فقال عثمان لابن عمر‏:‏ تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب‏؟‏ فقال‏:‏ لا فرده عليه فباعه ابن عمر بألف درهم وهذه قضية اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعا وروي عن أحمد أنه أجاز البراءة من المجهول فيخرج من هذا صحة البراءة من كل عيب وروي هذا عن ابن عمر وهو قول أصحاب الرأي‏,‏ وقول الشافعي لما روت أم سلمة ‏(‏أن رجلين اختصما في مواريث درست إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- استهما وتوخيا وليحلل كل واحد منكما صاحبه‏)‏ فدل هذا على أن البراءة من المجهول جائزة‏,‏ ولأنه إسقاط حق لا تسليم فيه فصح من المجهول كالعتاق والطلاق‏,‏ ولا فرق بين الحيوان وغيره فما ثبت في أحدهما ثبت في الآخر وقول عثمان قد خالفه ابن عمر‏,‏ وقول الصحابي المخالف لا يبقى حجة‏.‏

فصل‏:‏

فإن قلنا‏:‏ لا يصح شرط البراءة من العيوب فشرطه لم يفسد البيع في ظاهر المذهب وهو وجه لأصحاب الشافعي لأن ابن عمر باع بشرط البراءة فأجمعوا على صحته ولم ينكره منكر فعلى هذا لا يمنع الرد بوجود الشرط‏,‏ ويكون وجوده كعدمه وعن أحمد في الشروط الفاسدة روايتان إحداهما أنها تفسد العقد فيدخل فيها هذا البيع لأن البائع إنما رضي بهذا الثمن عوضا عنه بهذا الشرط‏,‏ فإذا فسد الشرط فات الرضا به فيفسد البيع لعدم التراضي به‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ومن باع شيئا مرابحة فعلم أنه زاد في رأس ماله‏,‏ رجع عليه بالزيادة وحطها من الربح معنى بيع المرابحة هو البيع برأس المال وربح معلوم ويشترط علمهما برأس المال فيقول‏:‏ رأس مالي فيه أو هو على بمائة بعتك بها‏,‏ وربح عشرة فهذا جائز لا خلاف في صحته ولا نعلم فيه عند أحد كراهة وإن قال‏:‏ بعتك برأس مالي فيه وهو مائة‏,‏ وأربح في كل عشرة درهما أو قال‏:‏ ده يازده أو ده داوزده فقد كرهه أحمد وقد رويت كراهته عن ابن عمر‏,‏ وابن عباس ومسروق والحسن وعكرمة‏,‏ وسعيد بن جبير وعطاء بن يسار وقال إسحاق لا يجوز لأن الثمن مجهول حال العقد فلم يجز‏,‏ كما لو باعه بما يخرج به في الحساب ورخص فيه سعيد بن المسيب وابن سيرين وشريح‏,‏ والنخعي والثوري والشافعي‏,‏ وأصحاب الرأي وابن المنذر ولأن رأس المال معلوم والربح معلوم فأشبه ما لو قال‏:‏ وربح عشرة دراهم ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه ولم نعلم لهما في الصحابة مخالفا ولأن فيه نوعا من الجهالة‏,‏ والتحرز عنها أولى وهذه كراهة تنزيه والبيع صحيح لما ذكرنا والجهالة يمكن إزالتها بالحساب‏,‏ فلم تضر كما لو باعه صبرة كل قفيز بدرهم وأما ما يخرج به في الحساب‏,‏ فمجهول في الجملة والتفصيل إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب فنقول‏:‏ متى باع شيئا برأس ماله وربح عشرة‏,‏ ثم علم بتنبيه أو إقرار أن رأس ماله تسعون فالبيع صحيح لأنه زيادة في الثمن فلم يمنع صحة العقد كالعيب وللمشتري الرجوع على البائع بما زاد في رأس المال‏,‏ وهو عشرة وحطها من الربح وهو درهم‏,‏ فيبقى على المشتري بتسعة وتسعين درهما وبهذا قال الثوري وابن أبي ليلى وهو أحد قولي الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ هو مخير بين الأخذ بكل الثمن أو يترك قياسا على المعيب ولنا‏,‏ أنه باعه برأس ماله وما قدره من الربح فإذا بان رأس ماله قدرا مبيعا به وبالزيادة التي اتفقا عليها والمعيب كذلك عندنا‏,‏ فإن له أخذ الأرش ثم المعيب لم يرض به إلا بالثمن المذكور‏,‏ وهاهنا رضي فيه برأس المال والربح المقرر وهل للمشتري خيار‏؟‏ فالمنصوص عن أحمد أن المشتري مخير بين أخذ المبيع برأس ماله وحصته من الربح وبين تركه نقله حنبل وحكى ذلك قولا للشافعي لأن المشتري لا يأمن الجناية في هذا الثمن أيضا‏,‏ ولأنه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن بعينه لكونه حالفا أو وكيلا أو غير ذلك وظاهر كلام الخرقي‏,‏ أنه لا خيار له لأنه لم يذكره وحكى ذلك قولا للشافعي لأنه رضيه بمائة وعشرة فإذا حصل له بتسعة وتسعين فقد زاده خيرا‏,‏ فلم يكن له خيار كما لو اشتراه على أنه معيب فبان صحيحا‏,‏ أو أمى فبان صانعا أو كاتبا أو وكل في شراء معين بمائة فاشتراه بتسعين وأما البائع‏,‏ فلا خيار له لأنه باعه برأس ماله وحصته من الربح وقد حصل له ذلك‏.‏

فصل‏:‏

وإذا أراد الإخبار بثمن السلعة فإن كانت بحالها‏,‏ لم تتغير أخبر بثمنها وإن حط البائع بعض الثمن عن المشتري‏,‏ أو اشتراه بعد لزوم العقد لم يجزئه ويخبر بالثمن الأول‏,‏ لا غير ولأن ذلك هبة من أحدهما للآخر لا يكون عوضا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ يلحق بالعقد ويخبر به في المرابحة‏,‏ وهذه مسألة يأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى- وإن كان ذلك في مدة الخيار لحق بالعقد وأخبر به في الثمن وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ولا أعلم عن غيرهم خلافهم فإن تغير سعرها دونها‏,‏ فإن غلت لم يلزمه الإخبار بذلك لأنه زيادة فيها وإن رخصت فنص أحمد على أنه لا يلزمه الإخبار بذلك لأنه صادق بدون الإخبار به ويحتمل أن يلزمه الإخبار بالحال فإن المشتري لو علم ذلك‏,‏ لم يرضها بذلك الثمن فكتمانه تغرير به فإن أخبر بدون ثمنها ولم يتبين الحال‏,‏ لم يجز لأنه يجمع بين الكذب والتغرير‏.‏

فصل‏:‏

فأما إن تغيرت السلعة فذلك على ضربين‏:‏ أحدهما أن تتغير بزيادة وهي نوعان أحدهما‏,‏ أن تزيد لنمائها كالسمن وتعلم صنعة‏,‏ أو يحصل منها نماء منفصل كالولد والثمرة والكسب‏,‏ فهذا إذا أراد أن يبيعها مرابحة أخبر بالثمن من غير زيادة لأنه القدر الذي اشتراها به وإن أخذ النماء المنفصل أو استخدم الأمة‏,‏ أو وطئ الثيب أخبر برأس المال ولم يلزمه تبيين الحال وروى ابن المنذر عن أحمد أنه يلزمه تبيين ذلك كله وهو قول إسحاق وقال أصحاب الرأي في الغلة يأخذها‏:‏ لا بأس أن يبيع مرابحة‏,‏ وفي الولد والثمرة لا يبيع مرابحة حتى يبين ولأنه من موجب العقد ولنا أنه صادق فيما أخبر به من غير تغرير بالمشتري فجاز‏,‏ كما لو لم يزد ولأن الولد والثمرة نماء منفصل فلم يمنع من بيع المرابحة بدون ذكره كالغلة وقد بينا من قبل أنه ليس من موجبات العقد النوع الثاني‏,‏ أن يعمل فيها عملا مثل أن يقصرها أو يرفوها‏,‏ أو يجملها أو يخيطها فهذه متى أراد أن يبيعها مرابحة أخبر بالحال على وجهه سواء عمل ذلك بنفسه أو استأجر من عمله هذا ظاهر كلام أحمد فإنه قال‏:‏ يبين ما اشتراه وما لزمه‏,‏ ولا يجوز أن يقول‏:‏ تحصلت على بكذا وبه قال الحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب وطاوس‏,‏ والنخعي والأوزاعي وأبو ثور ويحتمل أن يجوز فيما استأجر عليه أن يضم الأجرة إلى الثمن‏,‏ ويقول‏:‏ تحصلت على بكذا لأنه صادق وبه قال الشعبي والحكم والشافعي ولنا أنه تغرير بالمشتري‏,‏ فإنه عسى أن لو علم أن بعض ما تحصلت به لأجل الصناعة لا يرغب فيه لعدم رغبته في ذلك فأشبه ما ينقص الحيوان في مؤنته‏,‏ وكسوته وعلى المبتاع في خزنه الضرب الثاني أن يتغير بنقص‏,‏ كنقصه بمرض أو جناية عليه أو تلف بعضه‏,‏ أو بولادة أو عيب أو يأخذ المشتري بعضه‏,‏ كالصوف واللبن الموجود ونحوه فإنه يخبر بالحال على وجهه لا نعلم فيه خلافا وإن أخذ أرش العيب‏,‏ أو الجناية أخبر بذلك على وجهه ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يحط أرش العيب من الثمن ويخبر بالباقي لأن أرش العيب عوض ما فات به‏,‏ فكان ثمن الموجود هو ما بقي وفي أرش الجناية وجهان أحدهما يحطه من الثمن كأرش العيب والثاني‏,‏ لا يحطه كالنماء وقال الشافعي‏:‏ يحطهما من الثمن ويقول‏:‏ تقوم على بكذا لأنه صادق فيما أخبر به فأشبه ما لو أخبر بالحال على وجهه ولنا‏,‏ أن الإخبار بالحال على وجهه أبلغ في الصدق وأقرب إلى البيان ونفي التغرير بالمشتري والتدليس عليه فلزمه ذلك‏,‏ كما لو اشترى شيئين بثمن واحد وقسط الثمن عليهما وقياس أرش الجناية عليه على النماء والكسب غير صحيح لأن الأرش عوض نقصه الحاصل بالجناية عليه فهو بمنزلة ثمن جزء منه باعه‏,‏ وكقيمة أحد الثوبين إذا تلف أحدهما والنماء والكسب زيادة لم ينقص بها المبيع ولا هي عوض عن شيء منه فأما إن جنى المبيع‏,‏ ففداه المشتري لم يلحق ذلك بالثمن ولم يخبر به في المرابحة‏,‏ بغير خلاف نعلمه لأن هذا الأرش لم يزد به المبيع قيمة ولا ذاتا وإنما هو مزيل لنقصه بالجناية والعيب الحاصل بتعلقها برقبته‏,‏ فأشبه الدواء المزيل لمرضه الحادث عند المشتري فأما الأدوية والمؤنة والكسوة‏,‏ وعمله في السلعة بنفسه أو عمل غيره له بغير أجرة فإنه لا يخبر بذلك في الثمن‏,‏ وجها واحدا وإن أخبر بالحال على وجهه فحسن‏.‏ فصل وإن اشترى شيئين صفقة واحدة‏,‏ ثم أراد بيع أحدهما مرابحة أو اشترى اثنان شيئا فتقاسماه‏,‏ وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة بالثمن الذي أداه فيه فذلك قسمان‏:‏ أحدهما‏,‏ أن يكون البيع من المتقومات التي لا ينقسم الثمن عليها بالأجزاء كالثياب والحيوان والشجرة المثمرة وأشباه هذا فهذا لا يجوز بيع بعضه مرابحة‏,‏ حتى يخبر بالحال على وجهه نص عليه أحمد فقال‏:‏ كل بيع اشتراه جماعة ثم اقتسموه لا يبيع أحدهم مرابحة‏,‏ إلا أن يقول‏:‏ اشتريناه جماعة ثم اقتسمناه وهذا مذهب الثوري وإسحاق‏,‏ وأصحاب الرأي وقال الشافعي يجوز بيعه بحصته من الثمن لأن الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته بدليل ما لو كان المبيع شقصا وسيفا أخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن ولو اشترى شيئين فوجد أحدهما معيبا رده بحصته من الثمن وذكر ابن أبي موسى‏,‏ فيما اشتراه اثنان فتقاسماه رواية أخرى عن أحمد أنه يجوز بيعه مرابحة بما اشتراه لأن ذلك ثمنه فهو صادق فيما أخبر به ولنا‏,‏ أن قسمة الثمن على المبيع طريقه الظن والتخمين واحتمال الخطأ فيه كثير وبيع المرابحة أمانة فلم يجز هذا فيه‏,‏ فصار هذا كالخرص الحاصل بالظن لا يجوز أن يباع به ما يجب التماثل فيه وإنما أخذ الشفيع بالقيمة للحاجة الداعية إليه‏,‏ وكونه لا طريق له سوى التقويم ولأنه لو لم يأخذ بالشفعة لاتخذه الناس طريقا لإسقاطها فيؤدي إلى تفويتها بالكلية‏,‏ وهاهنا له طريق وهو الإخبار بالحال على وجهه أو بيعه مساومة القسم الثاني‏,‏ أن يكون المبيع من المتماثلات التي ينقسم الثمن عليها بالأجزاء كالبر والشعير المتساوي فيجوز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا لأن ثمن الجزء معلوم يقينا‏,‏ ولذلك جاز بيع قفيز من الصبرة وإن أسلم في ثوبين بصفة واحدة فأخذهما على الصفة وأراد بيع أحدهما مرابحة بحصته من الثمن‏,‏ فالقياس جوازه لأن الثمن ينقسم عليهما نصفين لا باعتبار القيمة وكذلك لو أقاله في أحدهما أو تعذر تسليمه‏,‏ كان له نصف الثمن من غير اعتبار قيمة المأخوذ منهما فكأنه أخذ كل واحد منهما منفردا ولأن الثمن وقع عليهما متساويا لتساوي صفتهما في الذمة‏,‏ فهما كقفيزين من صبرة وإن حصل في أحدهما زيادة على الصفة جرت مجرى الحادث بعد البيع‏.‏

فصل‏:‏

وإن اشترى شيئا بثمن مؤجل لم يجز بيعه مرابحة‏,‏ حتى يبين ذلك وإن اشتراه من أبيه أو ابنه أو ممن لا تقبل شهادته له‏,‏ لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي وأبو يوسف‏,‏ ومحمد يجوز من غير بيان لأنه أخبر بما اشتراه عقدا صحيحا فأشبه ما لو اشتراه من أجنبي ولنا أنه متهم في الشراء منهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم‏,‏ فلم يجز أن يخبر بما اشتراه منهم مطلقا كما لو اشترى من مكاتبه وفارق الأجنبي فإنه لا يتهم في حقه وقياسهم يبطل بالشراء من مكاتبه فإنه لا يجوز له بيع ما اشتراه من مكاتبه مرابحة حتى يبين أمره‏,‏ ولا نعلم فيه خلافا وإن اشتراه من غلام دكانه الحر فقال القاضي‏:‏ إذا باعه سلعة ثم اشتراها منه بأكثر من ذلك لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره ولا نعلم فيه خلافا ولأنه متهم في حقه فأشبه من لا تقبل شهادته له وقال أبو الخطاب إن فعل ذلك حيلة لم يجز وظاهره الجواز إذا لم يكن حيلة وهذا أصح لأنه أجنبي‏,‏ لكن لا يختص هذا بغلام دكانه بل متى فعل هذا على وجه الحيلة لم يجز وكان حراما وتدليسا‏,‏ على ما ذكرنا من قبل‏.‏

فصل‏:‏

فإن اشترى ثوبًا بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة استحب أن يخبر بالحال على وجهه فإن أخبر أنه اشتراه بعشرة ولم يبين جاز وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد لأنه صادق فيما أخبر به‏,‏ وليس فيه تهمة ولا تغرير بالمشتري فأشبه ما لو لم يربح فيه وروي عن ابن سيرين أنه يطرح الربح من الثمن ويخبر أن رأس ماله عليه خمسة وأعجب أحمد قول ابن سيرين قال‏:‏ فإن باعه على ما اشتراه‏,‏ يبين أمره يعني يخبر أنه ربح فيه مرة ثم اشتراه وهذا محمول على الاستحباب لما ذكرناه وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعه مرابحة إلا أن يبين أمره أو يخبر أن رأس ماله عليه خمسة وهذا قول القاضي وأصحابه لأن المرابحة تضم فيها العقود فيخبر بما تقوم عليه كما تضم أجرة الخياط والقصار وقد استفاد بهذا العقد الثاني تقرير الربح في العقد الأول لأنه أمن أن يرده عليه‏,‏ ولأن الربح أحد نوعي النماء فوجب أن يخبر به في المرابحة كالولد والثمرة فعلى هذا ينبغي أنه إذا طرح الربح من الثمن الثاني يقول‏:‏ تقوم على بخمسة ولا يجوز أن يقول‏:‏ اشتريته بخمسة لأن ذلك كذب والكذب حرام ويصير كما لو ضم أجرة القصارة والخياطة إلى الثمن وأخبر به ولنا‏,‏ ما ذكرناه فيما تقدم وما ذكروه من ضم القصارة والخياطة والولد والثمرة فشيء بنوه على أصلهم لا نسلمه ثم لا يشبه هذا ما ذكره لأن المؤنة والنماء لزماه في هذا البيع الذي يلي المرابحة وهذا الربح في عقد آخر قبل هذا الشراء فأشبه الخسارة فيه وأما تقرير الربح‏,‏ فغير صحيح فإن العقد الأول قد لزم ولم يظهر العيب ولم يتعلق به حكمه ثم قد ذكرنا في مثل هذه المسألة أن للمشتري أن يرده على البائع إذا ظهر على عيب قديم وإذا لم يلزمه طرح النماء والغلة‏,‏ فهاهنا أولى ويجيء على هذا القول أنه لو اشتراه بعشرة ثم باعه بعشرين ثم اشتراه بعشرة فإنه يخبر أنها حصلت بغير شيء‏,‏ وإن اشتراها بعشرة ثم باعها بثلاثة عشر ثم اشتراها بخمسة أخبر أنها تقومت عليه بدرهمين وإن اشتراها بخمسة عشر أخبر أنها تقومت عليه باثني عشر نص أحمد على نظير هذا وعلى هذا يطرح الربح من الثمن الثاني كيفما كان فإن لم يربح‏,‏ ولكن اشتراها ثانية بخمسة أخبر بها لأنها ثمن العقد الذي يلي المرابحة ولو خسر فيها مثل إن اشتراها بخمسة عشر ثم باعها بعشرة ثم اشتراها بأي ثمن كان‏,‏ أخبر به ولم يجز أن يضم الخسارة إلى الثمن الثاني فيخبر به في المرابحة بغير خلاف نعلمه وهذا يدل على صحة ما ذكرناه والله أعلم

فصل‏:‏

وكل ما قلنا‏:‏ إنه يلزمه أن يخبر به في المرابحة ويبينه فلم يفعل‏,‏ فإن البيع لا يفسد به ويثبت للمشتري الخيار بين الأخذ به وبين الرد إلا في الخبر بزيادة على رأس ماله‏,‏ على ما قدمناه من القول فيه وإن اشتراه بثمن مؤجل ولم يبين أمره فعن أحمد أنه مخير بين أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد حالا وبين الفسخ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لأن البائع لم يرض بذمة المشتري وقد تكون ذمته دون ذمة البائع‏,‏ فلا يلزمه الرضا بذلك وحكي ابن المنذر عن أحمد أنه إن كان المبيع قائما كان له ذلك إلى الأجل يعني وإن شاء فسخ وإن كان قد استهلك حبس المشتري الثمن بقدر الأجل وهذا قول شريح لأنه كذلك وقع على البائع فيجب أن يكون للمشتري أخذه بذلك على صفته‏,‏ كما لو أخبر بزيادة على الثمن وكونه لم يرض بذمة المشتري لا يمنع نفوذ البيع بذلك كما أنه إذا أخبر بزيادة لم يرض ببيعه إلا بما أخبر به ولم يلتفت إلى رضاه‏,‏ بل وجب الرجوع إلى ما وقع به البيع الأول كذا ها هنا

فصل‏:‏

فإن ابتاعه بدنانير فأخبر أنه اشتراه بدراهم أو كان بالعكس أو اشتراه بعرض فأخبر أنه اشتراه بثمن‏,‏ أو بثمن فأخبر أنه اشتراه بعرض وأشباه هذا‏,‏ فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين الرضا به بالثمن الذي تبايعا به كسائر المواضع التي ثبت فيها ذلك‏.‏

فصل‏:‏

وإن ابتاع اثنان ثوبا بعشرين‏,‏ وبذل لهما فيه اثنان وعشرون فاشترى أحدهما نصيب صاحبه فيه بذلك السعر فإنه يخبر في المرابحة بأحد وعشرين نص عليه أحمد وهذا قول النخعي وقال الشعبي يبيعه على اثنين وعشرين لأن ذلك الدرهم الذي كان أعطيه قد كان أحرزه ثم رجع بعد ذلك إلى قول إبراهيم ولا نعلم أحدا خالف ذلك لأنه اشترى نصفه الأول بعشرة ثم اشترى نصفه الثاني بأحد عشر‏,‏ فصار مجموعهما أحدا وعشرين‏.‏

فصل‏:‏

قال أحمد ولا بأس أن يبيع بالرقم ومعناه أن يقول‏:‏ بعتك هذا الثوب برقمه وهو الثمن المكتوب عليه إذا كان معلوما لهما حال العقد وهذا قول عامة الفقهاء وكرهه طاوس ولنا أنه بيع بثمن معلوم فأشبه ما لو ذكر مقداره‏,‏ أو ما لو قال‏:‏ بعتك هذا بما اشتريته به وقد علما قدره فإن لم يكن معلوما لهما أو لأحدهما‏,‏ لم يصح لأن الثمن مجهول قال أحمد والمساومة عندي أسهل من بيع المرابحة وذلك لأن بيع المرابحة تعتريه أمانة واسترسال من المشتري ويحتاج فيه إلى تبيين الحال على وجهه في المواضع التي ذكرناها ولا يؤمن هوى النفس في نوع تأويل أو غلط فيكون على خطر وغرر وتجنب ذلك أسلم وأولى‏.‏

فصل‏:‏

وبيع التولية هو البيع بمثل ثمنه من غير نقص ولا زيادة وحكمه في الإخبار بثمنه وتبيين ما يلزمه تبيينه حكم المرابحة في ذلك كله‏,‏ ويصح بلفظ البيع ولفظ التولية‏.‏

مسألة‏:‏

قال وإن أخبر بنقصان من رأس ماله كان على المشتري رده‏,‏ أو إعطاؤه ما غلط به وله أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها بأكثر وجملة ذلك أنه إذا قال في المرابحة‏:‏ رأس مالي فيه مائة وأربح عشرة ثم عاد فقال‏:‏ غلطت‏,‏ رأس مالي فيه مائة وعشرة لم يقبل قوله في الغلط إلا ببينة تشهد أن رأس ماله عليه ما قاله ثانيا وذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وروى أبو طالب عن أحمد إذا كان البائع معروفا بالصدق قبل قوله وإن لم يكن صدوقا‏,‏ جاز البيع قال القاضي‏:‏ وظاهر كلام الخرقي أن القول قول البائع مع يمينه لأنه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه والقول قول الأمين مع يمينه‏,‏ كالوكيل والمضارب والظاهر أن الخرقي لم يترك ذكر ما يلزم البائع في إثبات دعواه لكونه يقبل مجرد دعواه بل لأنه عطفه على المسألة قبلها وقد ذكر فيها‏,‏ فعلم أنه زاد في رأس المال ولم يتعرض لما يحصل به العلم لكن قد علمنا أن العلم إنما يحصل ببينة أو إقرار‏,‏ كذلك علم غلطه ها هنا يحصل ببينة أو إقرار من المشتري وكون البائع مؤتمنا لا يوجب قبول دعواه في الغلط كالمضارب والوكيل إذا أقرا بربح ثم قالا‏:‏ غلطنا أو نسينا واليمين التي ذكرها الخرقي ها هنا‏,‏ إنما هي على نفي علمه بغلط نفسه وقت البيع لا على إثبات غلطه وعن أحمد رواية ثالثة أنه لا يقبل قول البائع وإن أقام به بينة حتى يصدقه المشتري وهو قول الثوري والشافعي لأنه أقر بالثمن وتعلق به حق الغير فلا يقبل رجوعه ولا بينته لإقراره بكذبها ولنا أنها بينة عادلة‏,‏ شهدت بما يحتمل الصدق فتقبل كسائر البينات ولا يسلم أنه أقر بخلافها فإن الإقرار يكون لغير المقر وحالة إخباره بثمنها لم يكن عليه حق لغيره‏,‏ فلم يكن إقرار فإن لم تكن بينة أو كانت له بينة وقلنا‏:‏ لا تقبل بينته فادعى أن المشتري يعلم غلطه فأنكر المشتري‏,‏ فالقول قوله وإن طلب يمينه فقال القاضي‏:‏ لا يمين عليه لأنه مدع‏,‏ واليمين على المدعي عليه ولأنه قد أقر له فيستغنى بالإقرار عن اليمين والصحيح أن عليه اليمين أنه لا يعلم ذلك لأنه ادعي عليه ما يلزمه به رد السلعة أو زيادة في ثمنها فلزمته اليمين كموضع الوفاق وليس هو ها هنا مدعيا إنما هو مدعى عليه العلم بمقدار الثمن الأول‏,‏ ثم قال الخرقي له أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها أكثر وهذا صحيح فإنه لو باعها بهذا الثمن عالما بأن ثمنها عليه أكثر لزمه البيع بما عقد عليه لأنه تعاطى شيئا عالما بالحال‏,‏ فلزمه كمشتري المعيب عالما بعيبه وإذا كان البيع يلزمه بالعلم فادعى عليه‏,‏ لزمته اليمين فإن نكل قضى عليه وإن حلف خير المشتري بين قبوله بالثمن والزيادة التي غلط بها وحطها من الربح وبين فسخ العقد ويحتمل أنه إذا باعه بمائة وربح عشرة ثم إنه غلط بعشرة‏,‏ لا يلزمه حط العشرة من الربح لأن البائع رضي بربح عشرة في هذا المبيع فلا يكون له أكثر منها وكذلك إن تبين له أنه زاد في رأس ماله لا ينقص الربح من عشرة لأن البائع لم يبعه إلا بربح عشرة‏,‏ فأما إن قال‏:‏ وأربح في كل عشرة درهما أو قال‏:‏ ده يازده لزمه حط العشرة من الربح في الغلط والزيادة على الثمن في الصورتين وإنما أثبتنا له الخيار لأنه دخل على أن الثمن مائة وعشرة فإذا بان أكثر كان عليه ضرر في التزامه فلم يلزمه كالمعيب وإن اختار أخذها بمائة وأحد وعشرين‏,‏ لم يكن للبائع خيار لأنه قد زاده خيرا فلم يكن له خيار كبائع المعيب إذا رضيه المشتري وإن اختار البائع إسقاط الزيادة عن المشتري فلا خيار له أيضا لأنه قد بذلها بالثمن الذي وقع عليه العقد‏,‏ وتراضيا به‏.‏

فصل‏:‏

ويجوز بيع المواضعة وهو أن يخبر برأس ماله ثم يقول‏:‏ بعتك هذا به وأضع عنك كذا فإن قال‏:‏ بوضيعة درهم من كل عشرة كره لما ذكرنا في المرابحة وصح ويطرح من كل عشرة درهما فإن كان الثمن مائة لزمه تسعون ويكون الحط عشرة وقال قوم‏:‏ يكون الحط من كل أحد عشر درهما فيكون ذلك تسعة دراهم وجزءا من أحد عشر جزءا من درهم‏,‏ وتبقى تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم وهذا غلط لأن هذا يكون حطا من كل أحد عشر وهو غير ما قاله فأما إن قال بوضيعة درهم لكل عشرة كان الوضيعة من كل أحد عشر درهما‏,‏ ويكون الباقي تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وحكي عن أبي ثور أنه قال‏:‏ الحط ها هنا عشرة مثل الأولى وليس بصحيح فإنه إذا قال‏:‏ لكل عشرة درهما يكون الدرهم من غيرها فكأنه قال‏:‏ من كل أحد عشر درهما درهما وإذا قال‏:‏ من كل عشرة درهما كان الدرهم من العشرة لأن من للتبعيض‏,‏ فكأنه قال‏:‏ آخذ من العشرة تسعة وأحط منها درهما‏.‏